بدء الوحي
في الصحيح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أول اتصال بين الأرض والسماء، وأول نزول للوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلما كان في بعض أيامه ولياليه في غار حراء؛ إذ نزل عليه جبريل فقال له: اقرأ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ، قال عليه الصلاة والسلام: فأخذني فغتني، وفي رواية: فغطني -أي: ضمني- حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني -أي: أطلقني- فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، ثم غطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ؛ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1- 4]) فكان هذا أول نزول للوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الصفحة معلمان مهمان في حياة الإنسان المسلم، وفي سيرة الدعوة التي ينبغي أن ننتبه لها:
الصلة بالله تعالى والالتجاء إليه
أولهما: الصلة بالله عز وجل، فإنه لا يمكن للإنسان المسلم أن يواجه الباطل، ولا أن يقف في وجوه الأعداء، ولا أن يتغلب على شهوات النفس، ولا أن يستعلي على فتن الدنيا، إلا أن يكون موصول الحبل بالله عز وجل. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن أكرمه الله تعالى بهذه النبوة وهذه الرسالة بقي مشدوداً بهذا الحبل المتين في الصلة بالله عز وجل، تلك الصلة التي تجعل المرء كلما احلولكت في وجهه الظلمات، وسدت في وجهه الأبواب، وجد أن النور والشعاع والضياء فيما عند الله عز وجل، ووجد أن الفرج والتنفيس والنصر من عند الله عز وجل، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]. وهذه الصلة بالله عز وجل هي الأساس المكين، والركن الركين الذي يقوي الإنسان المسلم، فيجعله في صورة يستطيع بها أن يطبق هذا الدين، وأن يسعى فيه، وأن يثبت عليه بإذن الله عز وجل، أضف إلى ذلك أن هذه الصلة هي التي تفرغ في قلبه السكينة، وتنشئ في نفسه الطمأنينة، وتجعله مُطمئن البال، مجتمع الفكر، فليس عنده حيرة ولا اضطراب ولا قلق، ولا نوازع نفسية، ولا أمراض قلبية، ولا غير ذلك مما يعتري الناس عندما لا يركنون إلى الله عز وجل، وعندما يركنون إلى هذه الدنيا، أو يخافون من البشر، فإذا بهم قد تفرقت بهم الأهواء، وقد انخلعت قلوبهم خوفاً، وقد تفرقت نفوسهم في شعاب الأرض تطلب كل جهة، أما المؤمن فينطبق فيه قول الله عز وجل أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فهو راسخ إلى هذا الوعد الرباني، وإلى هذا الزاد الإيماني الذي تمثل في هذه الصورة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وأمر الصلة بالله أمر طويل، وقد سلف لنا فيه حديث عندما تحدثنا عن التربية الإيمانية، ونحن نعلم الزاد الإيماني الناشئ عن العبادة والصلة والخضوع والذلة والابتهال والدعاء والمناجاة لله سبحانه وتعالى.
أعلى الصفحة
القوة والشدة في أخذ هذا الدين والتمسك به
المعلم الثاني في هذه الصفحة: القوة والشدة: فليس أمر هذا الدين هيناً ليناً، فهو لا يؤخذ بالنوم والكسل، ولا يمكن أن يلتزمه المرء دونما جهد وعمل، ولذلك فإنه في اللحظة الأولى التي كان الوحي فيها غريباً عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان المتصور والمتوقع أن يأتيه في صورة هينة لينة، وبأسلوب تدريجي تقليدي، ولكن الأمر فيه دلالة على عظمة هذه الرسالة، وعلى شدتها، وعلى أنها تحتاج إلى ذلك الجَهد الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم عندما غطه جبريل أول مرة وثاني مرة وثالث مرة؛ حتى يكون هناك استعداد وتأهل وإدراك لعظمة هذه الرسالة كما قال الله عز وجل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، وكما قال الله عز وجل في شأن يحيى عليه السلام: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]. ولا بد لنا أن ندرك أن من أهم المعالم الدعوية: أن نبين للناس عظمة هذه الرسالة، وعظمة حملها، وعظمة الأمانة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، فلا بد من الإعداد منذ البدايات؛ حتى يمكن -بعد ذلك- أن يسير المرء ليبلغ النهايات، أما أن تكون البداية ضعيفة، وأن تكون البداية نوعاً من الترف، أو التأمين في هذه الدنيا، أو التيسير الذي يتعدى حده ليوهم الإنسان أن هذا الدين يمكن أن يكون محققاً لبعض المكاسب الدنيوية، ليأكل، أو ليشرب، أو لينعم، أو ليعيش بعيداً عن أي مهمة ورسالة، أو جهد وعمل، فإن ذلك لا يتفق مع هذه الصورة من صور سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يظهر فيها القوة التي ينبغي أن يؤخذ بها أمر الله عز وجل؛ لأنه أمر مهم عظيم في حياة الإنسان.
أعلى الصفحة